الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
108
الأخلاق في القرآن
إذا تسبب « تكبر » إبليس لأن يقع طريد رحمة اللَّه إلى الأبد ، وتسبب « الحرص » في أن يحرم آدم من الجنّة ، فإنّ « الحسد » قد جعل قابيل ملعوناً ومطروداً من رحمة اللَّه إلى الأبد بسبب قتله لأخيه ، وكلّ قتل يقع في الدنيا فإنّ قابيل له سهم من تلك الجناية باعتباره المؤسس لها . فالتاريخ البشري مليء بالجنايات والفجائع المختلفة الّتي تنطلق بدافع من ( الحسد ) . « الطائفة الثانية » من الآيات الكريمة التي تحدثت عن جانب آخر من هذه الصفة الذميمة في حالات الإنسان وهي « الحسد » وآثارها المدمرة في حياة الفرد والمجتمع ، وتستعرض في ذلك قصة النبي يوسف واخوته . « النبي يوسف » لم يكن صاحب الجمال في وجهه وملامحه البدنية فحسب بل كان يتمتع بمنتهى الجمال في أخلاقه وسيرته الحميدة ، وهذا الأمر هو الّذي اخبر عن مستقبله العظيم كما توقع له أبوه يعقوب وأحبه ذلك الحبّ الشديد ، وكان هو السبب في غرس عامل ( الحسد ) في قلوب أخوته الّذين كانوا أكبر منه سناً . وهذا الموضوع تجلّى بوضوح عندما حكى يوسف لأبيه حلماً كان قد رآه حيث تقول الآية : إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ « 1 » . وكان النبي يعقوب يعلم أنّ مثل هذه الرؤيا ليست رؤيا عادية ومن افرازات الخيال للأطفال بل هي علامة على مستقبل مشرق ينتظر ابنه يوسف فقال له كما تتحدث الآية : « قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ » « 2 » . ولكن هل أنّ اخوة يوسف علموا بمضمون رؤيا يوسف العجيبة الّتي تتحدّث عن
--> ( 1 ) . سورة يوسف ، الآية 4 . ( 2 ) . المصدر السابق .